اختبار صلاحية المشروع: عشرة أسئلة حاسمة ستوفر عليك سنوات من الخسارة
قبل أن تتجه إلى أي مكتب دراسة جدوى وقبل أن تجلس مع أي مستشار مالي وقبل أن تقنع نفسك بأن فكرتك هي الأفضل في العالم هناك اختبار واحد فقط يهم حقًا ليس اختبار السوق ولا اختبار التمويل ولا حتى اختبار الأرقام بل هو اختبار الصلاحية هل هذا المشروع صالح لأن يكون مشروعك أنت وليس مجرد فكرة جميلة تزين الأوراق وتداعب الأحلام إن هذا المقال هو الثاني في سلسلة تهدف إلى الغوص في عمق القرار الاستثماري وهو مقال تشغيلي فكري لا يهدف للتسويق بقدر ما يهدف لإحداث أثر حقيقي لدى المستثمر الجاد ولا يقل في عمقه عن جلسة استشارية مدفوعة الأجر السؤال الأول الذي يجب أن تطرحه على نفسك بكل صدق هو لماذا هذا المشروع تحديدًا ولماذا الآن قد يبدو هذا السؤال بسيطًا للوهلة الأولى ولكنه في الحقيقة أخطر مما تتصور فمعظم الإجابات التي نسمعها عادةً ما تكون إجابات خارجية مثل لأن السوق ينمو أو لأن الفكرة منتشرة حاليًا أو لأن هناك طلبًا متزايدًا أو لأن شخصًا آخر قد نجح في مشروع مماثل ولكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن ينبع من داخلك هو هل اختيارك لهذا المشروع نابع من فهم عميق ودقيق للسوق أم من تجربة سابقة متراكمة أم من ميزة حقيقية تمتلكها أنت دون غيرك أم أنه مجرد خوف من فوات الفرصة أو ملل من وضعك الحالي أو استجابة لضغط اجتماعي ومقارنات مع الآخرين تذكر دائمًا أن التوقيت الخاطئ لا يمكن لأفضل مشروع في العالم أن ينقذه من الفشل المحتوم وهنا تبرز أهمية أي مكتب دراسة جدوى خبير في مساعدتك على رؤية الصورة الكاملة
.
السؤال الثاني الذي لا يقل أهمية هو ما المشكلة المؤلمة التي يحلها مشروعك فعلًا لا تسأل ما هي الخدمة التي أقدمها أو ما هو المنتج الذي أبيعه بل اسأل ما هو الألم الذي أزيله عن كاهل العميل فالأسواق لا تدفع المال تقديرًا للأفكار الجميلة بل تدفعه هروبًا من ألم حقيقي وملموس إذا لم تكن قادرًا على وصف المشكلة التي يحلها مشروعك في جملة واحدة واضحة وموجزة فغالبًا أنت لا تبيع حلًا حقيقيًا بل تبيع مجرد فكرة والمشاريع التي تُبنى على فكرة جيدة فقط دون أن تستند إلى حل لمشكلة قائمة هي مشاريع تنهار عند أول اختبار مالي حقيقي ثم يأتي السؤال الثالث ليضيف بعدًا آخر للتفكير هل يدفع العميل لأنه محتاج فعلًا لمنتجك أم أنه مجرد مجرّب يدفعه الفضول هناك فرق قاتل بين العميل المحتاج والعميل المجرّب فالعميل المحتاج يعود مرة أخرى ويدفع السعر المطلوب ويتحمله لأنه يرى قيمة حقيقية فيما يحصل عليه أما العميل المجرّب فهو يساوم على السعر ويختفي بعد التجربة الأولى ولا يمكن الاعتماد عليه في بناء مشروع مستدام كثير من المشاريع تبدأ بداية قوية معتمدة على العملاء المجرّبين وتُبنى دراسات الجدوى الأولية على هذا الأساس المتفائل ثم يتفاجأ أصحابها بأن الطلب لم يكن حقيقيًا بالقدر الذي تصوروه وهنا يأتي دور أي مكتب دراسة جدوى متخصص في التمييز بين الطلب الحقيقي والطلب الوهمي.
كل مشروع لديه نقطة نزيف حقيقية وهذا هو محور السؤال الرابع أين هي نقطة النزيف في مشروعك؟ غالبًا ما تكون هذه النقطة غير واضحة في البداية وقد لا تكون في التكاليف الظاهرة كالإيجار والرواتب بل قد تكون في تكلفة الاستحواذ على العميل أو في التسعير الخاطئ الذي لا يغطي التكاليف الحقيقية أو في دورة التحصيل الطويلة التي تضغط على التدفقات النقدية أو في الاعتماد المفرط على شخص واحد أو في ضعف العمليات التشغيلية إن لم تستطع تحديد نقطة النزيف المحتملة في مشروعك قبل أن تبدأ فستكتشفها حتمًا عندما يكون الأوان قد فات وستكون العواقب وخيمة والسؤال الخامس يطرح قضية مفصلية هل المشروع يعمل بدونك أم أنه يعتمد عليك فقط؟ إذا كان المشروع يعتمد على وجودك اليومي وعلى علاقاتك الشخصية فقط وعلى قرارك في كل تفصيلة صغيرة وكبيرة فأنت في الحقيقة لا تبني مشروعًا استثماريًا بل تخلق لنفسك وظيفة جديدة ولكنها وظيفة مكلفة ومرهقة فالمشاريع التي لا تنفصل عن أصحابها تنهار عند أول تعب أو غياب أو محاولة للتوسع لأنها تفتقر إلى النظام المؤسسي القادر على الاستمرار والنمو بشكل مستقل وهذا ما يجب أن يسعى إليه أي مكتب دراسة جدوى عند تصميم هيكل المشروع.
السؤال السادس يتطلب منك شجاعة كبيرة في مواجهة الحقيقة ما هو السيناريو الأسوأ الذي يمكن أن يحدث؟ وهل أنت قادر على تحمله؟ لا تسأل هل سيحدث؟ بل اسأل هل أتحمله إن حدث؟ إن أسوأ السيناريوهات ليست مجرد خيالات تشاؤمية بل هي احتمالات واقعية مثل تأخر الإيرادات أو انسحاب شريك رئيسي أو رفض طلب تمويل أو تحقيق خسارة في السنة الأولى من التشغيل السؤال الحقيقي هنا هو هل وضعك المالي والنفسي والعائلي يسمح لك بتحمل مثل هذا السيناريو؟ تذكر أن المشروع لا يفشل عندما يخسر المال فقط بل يفشل عندما لا يستطيع صاحبه تحمل الخسارة أما السؤال السابع فيدعوك إلى تقييم واقعي لموقفك التنافسي هل لديك ميزة حقيقية أم أنك تعتمد على مجرد الأمل؟ الميزة الحقيقية ليست مجرد تقديم جودة أعلى بقليل أو سعر أقل بقليل أو خدمة أفضل بقليل فهذه كلها مزايا مؤقتة يمكن للمنافسين تقليدها بسهولة الميزة الحقيقية قد تكون في موقع استراتيجي أو علاقة قوية مع مورد رئيسي أو توقيت دخول مثالي للسوق أو معرفة داخلية عميقة بالصناعة أو قدرة تشغيلية فريدة يصعب على الآخرين تقليدها إن لم تكن لديك ميزة واضحة ومستدامة فأنت تدخل في معركة سعرية والسعر هو سلاح لا يرحم أحدًا.
الكثير من المشاريع تنجح وهي صغيرة ولكنها تفشل فشلًا ذريعًا عند محاولة التوسع وهذا هو ما يتناوله السؤال الثامن هل التوسع سيزيد من أرباحك أم أنه سيقتل مشروعك؟ التوسع ليس نجاحًا تلقائيًا بل هو اختبار جديد كليًا للمشروع فمع التوسع تتغير هياكل التكاليف وتتعقد العمليات الإدارية وتتراجع جودة الخدمة وتتضاعف الأخطاء التشغيلية والسؤال التاسع يطلب منك أن تفكر في أبعاد الخسارة المختلفة لو فشل المشروع ماذا ستخسر فعلًا؟ الخسارة ليست دائمًا مالية فقط فقد تخسر سمعتك في السوق أو علاقاتك مع الشركاء أو وقتك الثمين الذي لا يعوض أو فرصة أخرى كانت أفضل أو حتى ثقتك بنفسك المستثمر الذكي لا يسأل كم سأربح؟ بل يسأل ما هو حجم الخسارة التي يمكنني تحملها إن أخطأت؟ وأخيرًا نصل إلى السؤال العاشر والأهم هل تبحث عن قرار أم عن طمأنينة؟ وهنا تتكشف الحقيقة كاملة إن كنت تريد من الدراسة أن تطمئنك أو من المستشار أن يوافقك الرأي أو من الأرقام أن تسكت مخاوفك فأنت لا تبحث عن قرار استثماري رشيد بل تبحث عن مخدر نفسي مؤقت فالاستثمار قرار قاسٍ ومن لا يحتمل قسوة القرار يدفع الثمن غاليًا لاحقًا إن الإجابة الصادقة على هذه الأسئلة ستجعلك تكتشف أن بعض المشاريع لا تستحق حتى عناء دراستها وأن بعض الأفكار تحتاج إلى إعادة صياغة جذرية وأن الانسحاب المبكر في بعض الأحيان هو الربح الحقيقي فدراسة الجدوى التي يقدمها أي مكتب دراسة جدوى تأتي بعد هذا الاختبار لا قبله فالاستثمار ليس شجاعة فقط بل هو انضباط فكري وقبل أن تبدأ أي دراسة اسأل نفسك هل هذا المشروع يستحق أن تدفع من أجله من عمرك ومالك؟ إن كانت الإجابة غير واضحة فالدراسة لن تنقذك.
إن التفكير في هذه الأسئلة العشرة ليس مجرد تمرين فكري، بل هو أساس بناء استراتيجية استثمارية ناجحة. عندما تتجاهل هذه الأسئلة، فإنك تترك مصير استثمارك للصدفة. إن أي مكتب دراسة جدوى يعتمد عليه سيبدأ معك من هذه النقطة، من نقطة اختبار الصلاحية، قبل الخوض في تفاصيل الأرقام والتوقعات المالية. فالدراسة المالية المبنية على أساس هش هي دراسة لا قيمة لها. على سبيل المثال، عند مناقشة الميزة التنافسية، لا يكفي أن تقول "سأقدم جودة أفضل". يجب أن تحدد كيف ستحقق هذه الجودة، وكيف ستحافظ عليها مع نمو المشروع، ولماذا لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. هل لديك فريق عمل بمهارات نادرة؟ هل لديك براءة اختراع؟ هل لديك اتفاقية حصرية مع مورد رئيسي؟ هذه هي الأسئلة التي تحول "الأمل" إلى "ميزة حقيقية". وبالمثل، عند التفكير في السيناريو الأسوأ، لا تكتفِ بالتفكير في الخسارة المالية. فكر في التأثير على سمعتك، وعلى علاقاتك، وعلى صحتك النفسية. إن المستثمر الذي ينهار نفسيًا عند أول أزمة هو مستثمر غير مؤهل لإدارة مشروع، بغض النظر عن حجم رأس ماله. إن الاستعانة بخبرة مكتب دراسة جدوى لا تقتصر على تحليل الأرقام، بل تمتد لتشمل مساعدتك في التفكير بموضوعية في هذه الجوانب الحاسمة، وتزويدك بمنظور خارجي محايد يمكن أن يرى ما لا تراه أنت بسبب حماسك وتعلقك العاطفي بالفكرة.
